عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
25
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية
والعلوّ ، فجواهر هذه النفوس البشرية تشبه جواهر النفوس السماوية مشابهة المعلول للعلة وأفعالها كأفعالها . وكما أن الكوكب يطلع أولا ثم تزداد قوته إلى غاية الارتفاع ثم يأخذ بعده في الانحطاط ساعة إلى أن يتم الغروب كذلك نرى نشوء الأطفال وقوة الشباب والأخذ في الضعف الخفيّ إلى الكهولة والانتهاء إلى الشيخوخة ثم الموت الذي لا يزيله علاج ولا يصلحه دواء . فإذا عرفت هذا فنقول إن هذه النفوس الإنسانية كثيرة بالعدد وهي أيضا قد تكون مختلفة بالماهية فإن في النفوس ما تكون شريرة بالطبع ومنها ما تكون خيّرة بالطبع وكذا القول في الذكاء والفطنة والحرية والنذالة . ولا بد لكل نوع منها من كل علة على حدة كما ذكرنا أن العلة تشابه المعلول والشيء الواحد لا يشبه شيئين مختلفين فلكل طائفة من هذه النفوس البشرية نفس سماوية وهي علة لها موجودة فيها . والنفوس البشرية التي تكون لعلة معلولاتها واحدة يكون بينها من المحبة والمودة ما يكون بينها وبين غيرها فإنها تكون كالوجوه وتلك النفوس السماوية كالأب لها وأيضا فإن تلك النفوس السماوية تتولى أمرها في تقويتها ونصرتها والذبّ عنها وهذا هو الذي يسمّونه المتقدمون بالطباع التام وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . وتكون تلك النفوس الفلكيّة في شفقتها على هذه النفوس البشرية مثل الأب الرؤوف في شفقته على أولاده وهو الذي يرشد الإنسان في منامه إلى مصلحة وفي يقظته عند فكرته إلى مطلوبه وهو الذي يلقي في قلب الإنسان الخواطر النافعة وإنما سمّوه بالطباع التام لأنّا بيّنا أن العلة لا بد وأن تكون في تلك الطبيعة أتمّ وأعلى وأقوى . قالوا وإنما يدل على صحة ما قلنا تجارب أحكام النجوم فإنها تدل على ما قلناه في علل النفوس فإنه يستدل على اختلاف النفوس وأحوالها والثابت والمتبدل من أفعالها بالكواكب ومواضعها ونسبها ومواقعها من الفلك استدلالا صحيحا في الأكثر مع جهل المتبدل بأكثر أحوال الكواكب فكيف لو كان عالما بأسرارها وذلك يدل على أن لنفوس الكواكب والأفلاك تأثيرا في البشر ونفوسهم . الحجة الثالثة : الأجرام الفلكية أشرف من هذه الأجرام المركبة الخسيسة والحياة أشرف من هذه الجمادية فكيف يليق بالحكمة الإلهيّة والجود التام إعطاء